المرعب

سبتمبر 27, 2013

د. منصور أنور حبيب

الألم، لغز حير العلماء على مر العصور ومازال يطرح السؤال بعد الآخر، لماذا؟ وكيف؟ وما هو الحل؟

أكيد معظمنا جرب إحساس الألم، لكن المشكلة في كيفية التعامل مع الوجع. البعض على أبسط شيء يأخذ أقوى أنواع الأدوية ومسكنات الألم، والبعض الآخر يفكر ألف مرة قبل بلع حبة الألم. كل واحد حسب قدرة تحمله وثقافته وقناعاته.

قبل سنوات قليلة ظهر ضيف جديد في ساحة مسكنات الألم المعروفة. إنه المرعب “الترامال” أو “الترامادول”. لكن ليش كل هل التخويف؟

بعد دخوله لمجرى الدم ينطلق الترامادول إلى أهم عضو في جسم الإنسان “الدماغ”. توجد مستقبلات خاصة في الدماغ تجذب الترامادول إليها. بعد اندماج الاثنين يبدأ الدواء في العمل. من ناحية يعمل كشرطي المرور بمنع إشارات الألم من الوصول للدماغ، فيختفي إحساس الألم ويشعر المتعاطي بالراحة. ومن ناحية أخرى يسمح لإشارات الهدوء بالمرور فيشعر الشخص بالنشوة والسعادة.

قبل سنوات عدة أصدر المركز النيوزيلندي لرصد الآثار الجانبية للأدوية تقريراً شمل تحديثاً في معلومات مأمونية عقار ترامادول الذي ينتمي لمجموعة أدوية معروفة بالأدوية القاتلة للألم، وقد تطرق التقرير إلى ازدياد خطر حدوث أعراض جانبية حادة جراء استخدام الترامادول تعرف بمتلازمة السريتونين، بالإضافة إلى زيادة خطر الإصابة بنوبات الصرع المصاحبة لاستخدام ترامادول.

تتميز دولة الإمارات عن غيرها في المنطقة بالانفتاح الفكري والقدرة على التعامل مع ثقافات وجنسيات مختلفة. مع هذه الميزة هناك تحديات أهمها تعاطي وتجربة كل جديد. وهكذا كانت بداية الترامادول. حب الاستكشاف والتجربة جعل المجرب ينغمس أكثر فأكثر في وحل الإدمان. المشكلة الحالية هي انتشار الظاهرة وسط طلاب المدارس. جيل المستقبل يتعرض لأكبر تحدٍ. هل سألت نفسك أيها الأب أو الأم عن جدول ابنك أو ابنتك اليومي وخصوصاً فئة المراهقين؟

أنا أب وعيالي أغلى ما عندي، ولا أتوقع أبداً أن يكون أحداً منهم ضحية لهذا القادم الجديد. لكن سيل المغريات ليس له نهاية. المشكلة الرئيسية هي في سهولة توفر حبوب الدواء بالرغم من الجهود المشكورة لمنافذ الدولة. وطبعاً دور المدرسة مهم جداً في التعامل مع هذه السموم. فالمدرسة تعتبر من البيئات المناسبة إما لمنع أو لزيادة انتشار الآفة.

وللحصول على نتيجة إيجابية يجب على المدارس التوعية المستمرة بخطورة الترامادول. صحيح أن “كل ممنوع مرغوب” لكن إذا كان التحذير بأسلوب يعتمد على التحاور بين المدرس والطالب فإن النتيجة المرجوة ستتحقق بإذن الله.

تشير القضايا المتداولة في محاكم الدولة إلى أن هذه المادة تأتي على رأس المواد المخدرة المتداولة في السنوات الثلاث الأخيرة بنسبة عالية تصل إلى 80% ضمن الفئات العمرية الشابة والتي تتراوح أعمارهم ما بين 18 لغاية 25 عاماً، وأصبح ينتشر بين فئات أصغر أيضاً.

من أهم التحديات في الدولة إنعدام ثقافة “الوقاية خير من العلاج” عند الكثير من شرائح المجتمع. نعم هناك حملات وورش عمل، لكن كم يكون عادة عدد الحضور، وإن كان العدد مرتفعاً (في أحيان قليلة) ما هي نسبة التطبيق والفعل؟ تكاد تكون معدومة.

ولكن عند وقوع الحدث يستيقظ الفرد من سباته وتبدأ الاستجابة، ونفس السيناريو ينطبق حالياً على معضلة الترامادول. توعية وحملات لكن كم فرداً في الشارع يعرف عن الترامادول وانه من فئة المخدرات وكم واحداً يعرف الأعراض، إذا لم يوجد أحد من معارف الفرد أو أصدقائه يعاني من إدمان الدواء، فالموضوع سيأخذ أهمية دنيا.

الإدمان سواء أكان في المخدرات أم الكحول أم السجائر أم مشتقاتهم له جانب جسدي وآخر نفسي. مجتمعاتنا تركز على الجانب الجسدي وتهمل النفسي (والذي يكون في الغالب هو سبب بداية الإدمان أصلاً). جوهر العلاج والوقاية يكون في إشباع حاجات الشاب النفسية من التفاهم والحنان والترابط الأسري.

التعامل مع الرجل من منطلق القوة وعدم تقبل المجتمع للرجل من طلب المساعدة النفسية تجعل منه هدفاً سهلاً لتجار المخدرات وأتباعهم. والذي يميز الترامادول هو قدرته السريعة على تخفيف الألم والإحساس الكاذب بالراحة النفسية.

الطاقة الإيجابية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، في القمة الحكومية المنصرمة تعتبر من أفضل سبل الوقاية من السقوط في فخ التعاطي والإدمان. فالشخص الطموح والمجد والمعطي لمجتمعه سيكون منغمساً في نوع آخر من الإدمان. إدمان النجاح والسعي للحصول على المركز الأول.

فلندمن المركز الأول تحقيقاً لقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله،: “أنا وشعبي نحب المركز الأول”.

– البيان