توصل فريقٌ من الباحثين في عام 2012 إلى حاجة المستخدم العادي للإنترنت إلى 25 يوماً لقراءة جميع سياسات الخصوصية المكتظة بالكلمات التي وافق عليها، للاشتراك في خدمات الإنترنت. وبعد مضي نحو أربعة أعوام، عدّلت بعض المواقع سياساتها، وفضلت استخدام لغة بسيطة عوضاً عن التعبيرات القانونية، وحققت هذه الخطوات نتائج مُتباينة.

وبذلت بعض الشركات جهداً لطرح سياسات خصوصية يسهل على القراء فهمها، ومنها «فيس بوك» و«فيتبيت» و«بنترست» و«سامسونغ إلكترونيكس» و«سبوتيفاي» وغيرها. وفي وقت أقدم فيه بعضها على التغيير طوعاً، تعرضت أخرى لضغوط دفعتها إلى تعديل سياستها.

وترى المُحللة المهتمة بالخصوصية في شركة «فورستر» للأبحاث، فاطمة خطيبلو، أن المساعي لتبسيط أسلوب سياسة الخصوصية جاءت استجابةً لشكوك الجمهور حيال السياسات المُبهمة، واحتمالات جمع الشركات المزيد من البيانات. وقالت إن بعض الشركات أدركت أخيراً فكرة الارتباط الوثيق الذي يجمع بين الخصوصية وكيفية استخدام الشركات للبيانات من جانب، وتحقيق الثقة من جانب آخر.

كما تتجه الشركات إلى إعادة صياغة سياسات الخصوصية، بدافع من رغبتها في تقديم سياسات تُرضي الدول الأوروبية التي تضع معايير تفوق الولايات المتحدة عند تعريف ماهية الموافقة على استخدام البيانات الشخصية، بحسب ما قالت خطيبلو.

وعلى سبيل المثال، أصلح موقع «بنترست»، طوعاً، سياسته للخصوصية، وخاطب فيها المستخدمين بالقول: «نظراً لأننا شركة إنترنت، فإن بعض المفاهيم التالية فنية بعض الشيء، لكننا حاولنا بذل قصارى جهدنا لشرح الأشياء على نحوٍ بسيط وواضح».

ومن بين ما أوضحته سياسة الخصوصية في «بنترست» ما نصه: «ربما نُسجل استخدام الأشخاص لإصدارين مُختلفين من منتج ما، الأمر الذي يُساعدنا على فهم أي إصدار أفضل».

ويُطلق على هذه التجربة «اختبارات إيه/‏بي» A/‏B Test. ويُعرض فيها للمستخدمين نسختين مختلفتين من صفحة أو ميزة جديدة، بهدف اختبار فعالية كلتا النسختين.

ومع ذلك، تبدو عبارة «استخدام إصدارين مختلفين من منتج» غامضة، نظراً لأن «بنترست» موقع يُتيح لمستخدميه المجال لشراء منتجات استهلاكية يُفترض أن يستخدموها.

من جانبها، قالت شركة «بنترست» إنها قصدت من وراء استخدامها كلمة «منتج» أن تشمل مجموعة متنوعة من سمات موقعها. وأضافت أنها عادةً ما تختبر المنتجات الجديدة بأسلوب «اختبارات إيه/‏بي»، مثل البحث المرئي الجديد، لافتة إلى أن الاختبار لا يتضمن فقط تصميم الصفحة، بل تقييم الخدمة الجديدة أيضاً.

بدوره، يرى أستاذ الاتصالات في «كلية أننبرج للاتصالات» في «جامع بنسلفانيا»، جوزيف تورو، أن تواصل إقبال الشركات على شرح سياسات الخصوصية لا يمنع أنه لايزال من الصعب فهم كيفية عمل هذه الأشياء.

أما مُدير الإنترنت والعلوم والتكنولوجيا في «مركز بيو للأبحاث»، لي رايني، فأشار إلى تأجج مشاعر القلق حيال استخدام الشركات للمعلومات الشخصية. ومع ذلك، فإنه لم يتضح بعد تأثير تغير أسلوب سياسات الخصوصية، وما إذا كان توفير سياسات أكثر صراحة يزيد من شعور المستخدمين بالراحة.

وقال رايني: «ليس هناك الكثير من الأدلة على تغيير الأشخاص سلوكياتهم ومواقفهم تجاه شركات التكنولوجيا استناداً إلى إعادة كتابتها لسياسات الخصوصية». وأضاف أنه عادةً ما ينخفض معدل الشكاوى ثم يعود إلى التصاعد مُجدداً، بعد نشر تقارير صحافية تنتقد سياسات الخصوصية ولأسباب مُشابهة.

وخلصت دراسة حديثة أجراها «مركز بيو للأبحاث» إلى أن 38% من المستهلكين يشعرون باضطراب حيال سياسات الخصوصية، وقال أكثر من نصف مستخدمي تطبيقات الأجهزة المحمولة أنه سبق لهم، ولمرة واحدة على الأقل، الإحجام عن تحميل تطبيق ما بعد اكتشافهم القدر الكبير الذي يجمعه من المعلومات الشخصية.

وكان موقع «فيس بوك»، الذي دائماً ما يُواجه انتقادات بسبب سياسات الخصوصية المُربكة، قدم في عام 2014 ميزة باسم «بلو ديناصور»، وهي رسم كارتوني يُساعد مستخدميه على إجراء فحص للخصوصية، كما يُحذرهم في حال أوشكوا على مشاركة تحديثات الحالة الشخصية خارج نطاق أصدقائهم.

وفي حين أن ميزة «بلو ديناصور» ربما تُتيح للمستخدمين مزيداً من التحكم في المعلومات التي يكشفون عنها للآخرين، إلا أنها قد تضطرهم للخوض في الكثير من الخيارات المُحيرة، مثل تحديد الأشخاص الذي يُمكنهم مشاهدة رقم هاتفهم المحمول، واختيار ما إذا كانوا يودون ظهور منشوراتهم في «فيس بوك» ضمن نتائج البحث في موقع «غوغل».

وخلال عام 2015 عدلت خدمة «سبوتيفاي» لبث الموسيقى عبر الإنترنت أسلوب سياستها للخصوصية، ونبهت المستخدمين إلى عزمها جمع صورهم وجهات الاتصال ومعلومات الموقع الجغرافي. وأثار التعديل الكثير من ردود الفعل الغاضبة التي طلبت إيضاح الشركة عن أسباب حاجتها لهذه المعلومات.

وبعد مُضي شهر، أصلحت «سبوتيفاي» بيانها، وأوضحت خطتها لاستخدام كل نوع من البيانات التي تجمعها، كما اعتذرت عما أسمته «الارتباك المفهوم» الذي تسبب فيه النص السابق لسياسة الخصوصية.

وخلال العام نفسه واجهت شركة «سامسونغ» الكورية الجنوبية انتقادات ومُشكلات، بعدما ذكرت سياستها للخصوصية أن البرمجية المسؤولة عن التعرف إلى الأصوات في أجهزة التحكم عن بعد «ريموت كنترول» في تلفزيوناتها يُمكنها تسجيل الكلمات التي يتحدث بها الأشخاص بالقرب منها.

وأعقب ذلك إقدام الشركة على إعادة تحرير سياسة الخصوصية، كما نشرت تدوينة للدفاع عن عملها، وسياستها بعنوان «تلفزيونات سامسونغ الذكية لا تُراقب مُحادثات غرفة المعيشة».

وتقترح المُحللة في «فورستر»، فاطمة خطيبلو، أنه بدلاً من تقديم كل شركة سياسة مُنفصلة للخصوصية، فإن من الأفضل توفير تقييم للخصوصية يُصنف العديد من الشركات وفقاً لمجموعة متنوعة من المعايير، مؤكدة أن ذلك سيسمح للمستهلكين سريعاً بتحديد الشركات التي قد تُمثل تهديداً لخصوصيتهم.

أما المحامي العام لشركة «بترست» ومُؤلف التحديثات الأخيرة لسياسة الخصوصية فيها، مايك يانغ، فقال إنه في ظل توجه «بنترست» إلى مجال الإعلان والتجارة الإلكترونية، فقد حاولت الشركة التعامل مع كيفية شرح التغييرات للمستخدمين.

وأشار يانغ إلى مقاومته رغبة ملحة في استخدام المصطلحات القانونية عند صياغة سياسة الخصوصية، لافتاً إلى سعيهم للبحث عن الطريقة الأيسر لوصف ما يريدون، وهو أمر يصعب إنجازه في بعض الأحيان.

الامارات اليوم